محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

349

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

وهذا هو حال المراقبة ؛ فالعبد إذا علم بأن مولاه يراه استحيا منه ، وترك متابعة هواه ، ولا يحوم حول ما نهاه عنه . وفي حديث عبادة بن الصامت « 1 » ، رضي اللّه تعالى عنه ، قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أفضل إيمان المرء أن يعلم أن اللّه معه حيث كان » « 2 » . وخسرت صفقة عبد لم يجعل له من حبك نصيبا . حبّ اللّه تعالى لعبده هو : رحمته له ، وثناؤه عليه ، وإحسانه إليه . وحبّ العبد لربّه عزّ وجل : طاعته ، وموافقة أمره ، وتعظيمه ، وهيبته . والحبّ المضاف إلى الكاف في قوله : « من حبك » يحتمل أن يضاف إلى الفاعل وإلى المفعول . والظاهر كونه مضافا إلى الفاعل ؛ لأنه أبلغ وأمدح ، ولأن محبة اللّه لعبده أصل محبة العبد له ، قال اللّه تعالى : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ . فمن أعطاه اللّه تعالى من الحب المذكور نصيبا فقد حاز ربح الدارين ، وفاز بقرّة العين . ومن حرمه ذلك فقد خسرت صفقته ، وبان عيبه وخيبته ، وفي بعض الكتب المنزّلة على بعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام : « يا عبدي ، أنا لك محبّ ، فبحقّي عليك كن لي محبّا » . حكى عن بعضهم أنه قال : « اشتريت جارية فسمعتها في شطر الليل « 3 » ، وهي تقول : إلهي ، بحبّك إياي إلا ما غفرت لي ، فقلت لها : لا تقول هكذا ، ولكن قولي : بحبّي إياك . فقالت : يا سيدي ، بمحبّته إياي ، منّ عليّ بالإسلام ، وأيقظني لعبادته ، وكثير من عباده نيام » . قال زيد بن أسلم « 4 » ، رضي اللّه عنه : « إن اللّه عزّ وجلّ ليحبّ العبد حتى يبلغ من

--> ( 1 ) عبادة بن الصامت بن قيس الأنصاري الخزرجي ( 38 ق ه - 34 ه - 586 - 654 م ) أبو الوليد ، صحابي من الموصوفين بالورع ، شهد العقبة ، وكان أحد النقباء ، وبدرا وسائر المشاهد ، ثم حضر فتح مصر ، وهو أول من ولي القضاء بفلسطين ، ومات بالرملة أو ببيت المقدس روى 181 حديثا . ( الأعلام 3 / 258 ) . ( 2 ) أخرجه المتقي الهندي في ( كنز العمال ، 66 ) . ( 3 ) شطر الليل : منتصف الليل . ( 4 ) زيد بن أسلم العدوي العمري ( توفي 136 ه - 753 م ) مولاهم ، أبو أسامة أو أبو عبد اللّه ، فقيه مفسر من أهل المدينة ، كان مع عمر بن عبد العزيز أيام خلافته ، واستقدمه الوليد بن يزيد في جماعة -